خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله‎

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصانا به الله سبحانه وتعالى عندما قال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.

وقال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}.

إنَّنا أحوج ما نكون إلى الاستهداء بهذه الآيات والأخذ بها، في وقت يراد لنا أن نكون وقوداً للفتن والتوترات على كلّ الصّعد، والتي تجعلنا لقمة سائغة لمن يريدون الإطباق على أرضنا وثرواتنا ومقدساتنا ومستقبلنا والدفع بنا إلى حيث يريدون، وهم لا يريدون لنا الخير.

لقد دلَّت هذه الآيات على أن السبيل للخروج من الأزمات بأن نعتصم بحبل الله ولا نتفرَّق عندما نختلف في أدياننا ومذاهبنا ومواقعنا وقومياتنا… وأن نتذكَّر دائماً كم ساهمت الوحدة في تقوية ساحتنا، وعزَّزت حضورنا على امتداد التاريخ وفي الحاضر، وأننا بها نستطيع أن نواجه التحديات.

والبداية من لبنان، الذي لا يزال اللبنانيون فيه ينتظرون أن تبصر الحكومة النور، وأن تزول العقد التي لا تزال تقف أمام تأليفها، وهي قابلة لأن تزول عندما يخرج الجميع من الاستئثار ومن أنانياتهم الفئوية والخاصة. ومن المؤسف والمحزن أن تكون هذه التعقيدات لها علاقة بتعزيز الأحجام والدور لجني المزيد من المكاسب على أكثر من صعيد، أو ترجيح الكفة لما يؤثر في رسم صورة الاستحقاقات المقبلة، فيما البلد يعيش حالةً من الانهيار تهدد مصيره ومصير الناس الذين باتوا لا يستطيعون تلبية الحد الأدنى من معيشتهم. ونحن نأمل أن يعي الجميع مسؤوليتهم تجاه وطنهم ومواطنيهم، وأن يخرجوا من حساباتهم الخاصة التي تتعنون بالحسابات الطائفية والمذهبية لحساب الوطن، وأن يسرعوا بتأليف حكومة تخرج البلد من عنق الزجاجة.

إنّنا كنا ولا نزال نرى أنّ الحلّ في هذا البلد لن يكون إلا بحكومة تتشارك فيها كلّ القوى الفاعلة في سياق برنامج إصلاحي، بعد أن أصبح واضحاً أن لا حل لمشاكل البلد وإخراجه من أزماته وتأمين الاستقرار فيه إلا بحكومة كهذه، ولكن يبقى هذا الأمر طموحاً، ولا يبدو أنه متوافر الآن.

ولذلك، ستنتظر الحكومة الجديدة الكثير من التحديات والعوائق والصعوبات إن تألفت بالصورة التي يتم تداولها، فهي لن تحظى برضا العديد من القوى السياسية الفاعلة، ولا يبدو أنها ستحظى بثقة الذين خرجوا إلى الشارع. وقد لا تنال رضا الخارج الَّذي رهن دعمه للبنان بشروط قد لا تتوافر في هذه الحكومة، لكنَّنا، ورغم كلّ الصعوبات والتحديات، نرى أنها قادرة على تجاوز كل هذه العقبات، إن تعاون الجميع فيما بينهم على برنامج عمليّ وواقعيّ لإخراج البلد من أزماته، ولا سيَّما الاقتصادية والنقدية، وخرجوا من كلّ الحسابات الخاصة والمصالح الفئويّة والاستئثار والكيديّة إلى العمل لمصلحة كلّ اللبنانيين بكلّ تنوعاتهم ومواقعهم؛ الموالين والمعارضين والقريب والبعيد.

إنّ اللبنانيين التواقين إلى بناء دولة العدالة سيكونون سنداً وعوناً لأيّ حكومة تكون على قدر طموحاتهم وأمانيهم، من خلال برامجها وأعمالها والفريق الّذي سيتولّى المهمات فيها، وسيصبرون معها لبلوغ هذه الطموحات وتحقيق الأماني.

ويبقى لنا في هذا المجال أن نجدّد دعوة الناس الذين عبّروا عن توقهم لبناء دولة تحترم إنسانهم وكرامتهم، وتخرجهم من معاناتهم، إلى أن يبقوا مصرين وثابتين على ما دعوا إليه، وأن يراقبوا البرنامج والمسار، وأن لا يتخلّوا عن دور أثبتوا أنهم قادرون على التأثير الإيجابي فيه.

وفي هذا المجال، عشنا في الأيام الماضية مظاهر من الغضب الشعبي الذي لا يزال قائماً، ونحن نحذر من تداعيات بعض التعابير الطائفية الحادة التي تؤثر في مشروعية مطالبه المحقّة، ونرى من حق المواطنين أن يعبّروا عن غضبهم من أداء الدولة والسياسة النقدية للمصرف المركزي والإذلال الَّذي يعيشونه على أبواب المصارف وعلى المستوى المعيشي، ولكن حذارِ من الوقوع في الفخ الّذي يريده لهم المتضرّرون؛ فخ التخريب والإساءة إلى الممتلكات الخاصّة والعامة والفوضى، ليسهل ضرب تحركهم والإجهاز عليهم. ونحن في الوقت الذي ندعو المتظاهرين إلى عدم اللجوء إلى العنف والفوضى، ندعو القوى الأمنية إلى تحمل مسؤوليتها في حماية حق التظاهر، لا أن تكون أداة لقمع الشَّعب الذي خرج ليطالب بحقوقه وحقوق اللبنانيين جميعاً.

ونريد في الوقت نفسه للمعارضة التي ستتشكَّل من القوى السياسيّة تصويب مسار الواقع السياسيّ، لا الاكتفاء بتسجيل النقاط أو وضع العصي في الدواليب، فالبلد لا يتحمّل هذه السجالات، ونريدها أن تكون السباقة في تقديم البرامج الفضلى للإنقاذ، مستفيدة من التحرك الاحتجاجي في الشارع، والذي بدوره يسعى إلى إخراج البلد من أزماته ويسير به نحو الاستقرار.

أما في العراق الَّذي دخل مرحلة جديدة بعد دعوة مجلس النواب فيه إلى خروج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية، فإننا لا نريد لهذه الدعوة أن تكون باعثاً لانقسام داخلي، بل أن تأتي في سياق رؤية وطنية شاملة تستوعب هواجس مكونات الشعب العراقي القومية والطائفية والمذهبية، وتنزع الذرائع التي يتمسك بها بعض الفرقاء ليبرر سلوكاً انفصالياً أو تقسيمياً لا نراه يصبّ إلا في خدمة المشروع الصهيوني، وتستند إلى رفض الشعب العراقي عموماً لكلّ ابتزاز خارجي يراد منه اخضاعه سياسياً واقتصادياً، من خلال تهديده بالحصار والإفقار والجوع وحجز عائداته النفطية وغيرها.

إنّنا نريد للعراقيين أن ينطلقوا من هذه الرؤية الوطنية الجامعة التي تجسّد تطلّعاتهم وأحلامهم ورؤيتهم لعراق موحّد ومتحرّر ومستقلّ وحاضن بعدالة لكلّ التنوعات، وندعو إلى معالجة كل القضايا من خلال المصلحة الوطنية العليا، والعمل في الوقت نفسه على الإصغاء لمطالب الناس وصرخاتهم وسعيهم للإصلاح وبناء دولة عصرية خالية من الفساد والمفسدين والنهب والناهبين، فلا يجوز نسيان مطالب الناس في ظلّ هذه الظروف، مهما كانت معقدة وصعبة وخطيرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.