الرئيسية » أخبار عاجلة » قصة شهيدين قضيا تحت تعذيب العميل الفاخوري في الخيام.. ثم أخفيا!

قصة شهيدين قضيا تحت تعذيب العميل الفاخوري في الخيام.. ثم أخفيا!

ثلاثة وثلاثون عاماً مرّت على قيام العدو الإسرائيلي بجمع أهالي الجميجمة – قضاء بنت جبيل في ساحة البلدة واعتقال عدد منهم، ومنهم مدير المدرسة الرسمية آنذاك علي حمزة الذي اقتيد إلى معتقل الخيام ليقضي أولى لياليه في الأسر، ولعلها كانت الأخيرة.

بعد وصوله إلى المعتقل في واحدة من ليالي شباط الباردة، وُضع علي في زنزانة مع عدد من الأسرى تحت مراقبة من عملاء جيش لحد الذين كانوا يتولّون مختلف المهام في هذا المكان الذي تحول منذ تأسيسه عام 1985 بعد سقوط معتقل أنصار إلى بقعة عنوانها الظلم والموت وكل أشكال الهمجية وانتهاك حقوق الإنسان، وكان اسم رتيب في ميليشيا العملاء يدعى عامر الياس الفاخوري يقود سرية مهمتها تأمين الحماية للمعتقل قد بدأ يلمع في أقبية السجن وبين جدران زنازينه وفي أحاديث الجلادين والضباط الذين أصبح فيما بعد قائداً عليهم ومديراً لحركات القمع والاستبداد التي يشرف عليها.
مع دخوله إلى الزنزانة صرخ علي في وجه الباب الموصد أمامه مطالبًا بالحرية، وهو أمر أثار حفيظة الحرس الذين تلقوا أوامر بإخراجه من زنزانته لتأديبه. يومها وجد الفاخوري ما يملأ به ليله الطويل فبدأت سهرة الرقص فوق أضلاع الرجل وممارسة كل أشكال التنكيل والضرب بالعصي والأسلاك، قبل أن يؤخذ إلى العمود الأشهر من أن يُعرّف في الباحة الخارجية للمعتقل.

🔺️ يقول أحد الأسرى وهو ابن بلدة الجميجمة نفسها: “يومها علقوه على العمود وتركوه حتى الصباح بعد أن سحلوه على الأرض ومارسوا بحقه كل أنواع التعذيب والضرب، دون أن تتوقف عملية رشه بالمياه الباردة تارة والساخنة تارة أخرى. وفي الصباح جاؤوا ليعيدوه إلى الداخل فحركوه بالعصي ظناً منهم أنه نائم ولكنه لم يتحرك فضربوه وقطعوا السلك الذي علقوه به وأخذوه إلى الداخل وأمروني بأن اغسل جسده بالمياه كوني كنت الأكبر سناً في هذا المهجع من المعتقل”.

⬅️ يتابع: “ربما كانوا يريدون نقله إلى المستشفى لمعرفتهم بتدهور حالته الصحية ولا يريدون أن يخرجوه بهذه الحالة. فعندما هممت بغسل جسده كان الدم يخرج من أكثر من موضع لا سيما رأسه ووجهه ولكنه كان لا يزال على قيد الحياة يتمتم ببعض الكلمات، فهمت منها عبارة كان يرددها “يا ويلكم من بعدي يا ولادي..” وما هي إلا لحظات حتى أخرجوني وأحضروا طبيب المعتقل، الذي صرخ بهم قائلاً: ألا تستدعونني إلا عندما يكون الأسير قد انتهى فعلاً؟ لم يعد يمكنني أن أفعل شيئاً الآن”.

🔺️ ومرت السنوات وبات مصير الأسير علي حمزة معلقاً بين الزنازين والحقيقة التي يخفيها كل من كان له علاقة بأمر المعتقل منذ ذلك الوقت. والملفت في الأمر أن عامر الفاخوري قد حاز عدداً من الترقيات الاستثنائية في تلك الفترة حتى وصل إلى رتبة رائد في جيش لحد في أقل من عشر سنوات، تقديراً لجهوده في قمع الانتفاضات داخل السجن وتعذيبه وإذلاله للأسرى من أبناء وطنه الذي خانه، وربما بل من المؤكد أن يكون له علاقة مباشرة بمصير الأسير علي حمزة الذي استشهد ودُفن في مكان يعلمه الفاخوري ويجهله الجميع إلى الآن.

🔺️ علا حمزة ابنه الأسير علي حمزة، ما زالت تحتفظ ببعض من صور لوالدها ومنها صورة يحملها فيها ويلاعبها وهي في سنوات طفولتها الأولى. وتروي علا بعضاً من الوقائع التي مرت على العائلة وهي تحاول أن تكشف مصير والدها. فهي تتذكر أن والدتها كانت تتوجه بعد أسره عام 1986 إلى معتقل الخيام قاطعة الطرقات سيراً على الأقدام ما استطاعت إلى السير سبيلاً، وتقضي ليالي بين القرى محاولة أن تزور زوجها، ولكن في كل مرة كان رد إدارة المعتقل عند سؤالها عنه “أن قضية علي حمزة كبيرة ولا أحد يمكنه الوصول إليه”. كل ما كانوا يفعلونه إضافة إلى المضايقات والممارسات الظالمة أنهم كانوا يأخذون منها ما تحمله من أغراض أحضرتها لزوجها ويعدونها بإيصالها له.

🔺️ وعلى هذه الحال بقيت الأمور حتى التحرير عام ألفين، يومها كانت العائلة تنتظر بفارغ الصبر أن يعود البطل الذي يسكن في عتمة السجن، إلا أنه لم يعد. انتقلوا إلى الخيام ومن هناك بدأت رحلة البحث التي لم تنتهِ إلى اليوم. تضيف علا: عندما سمعنا بأن عامر فاخوري قد ألقي القبض عليه في بيروت، عاد الأمل بأن نقتص ممّن قتل والدنا، ونريد أن نعرف مكان جثمانه.

⬅️ وتضيف: سنلجأ إلى القضاء اللبناني الذي نؤمن به لرفع دعوى على عامر الفاخوري وكل من كان معه في تلك الفترة، لإنزال أقصى العقوبات بحقه ومن كانوا معه على كل ما قاموا به بحق والدي، من ضرب وشتم وتعذيب وتنكيل وصل إلى الشهادة. فليكشفوا لنا عن مكان دفنه وليأخذ القضاء حقنا الذي لن نتنازل عنه.

🔺️ وإلى جانب علا التي تحوّل منزلها إلى مزار لذوي الأسرى الشهداء، تجلس زوجة الأسير أمين جميل حمود وحكايته مشابهة لحكاية علي حمزة.
فأمين كان عنصراً في قوى الأمن الداخلي عندما كان يقطع الطريق إلى بلدته بنت جبيل عبر معبر بيت ياحون. يومها أوقفته ميليشيا العملاء واقتادته للتحقيق ثم للأسر في معتقل الخيام وكان ذلك في العام 1988.
حاولت بعدها زوجته الوصول إليه وقطعت الطريق نحو المعتقل، ولدى سؤالها عنه تعرضت لحملة من الشتائم والانتهاكات التي أخذ عليها عناصر لحد ورفضوا الحديث عن زوجها لتعود أدراجها وتخاف من العودة إلى هناك، دون أن تخاف من البحث عن مصير زوجها الذي لم يخرج لا في عمليات تبادل للأسرى ولا عند كسر القيد وفتح أبواب الزنازين أيام التحرير عام ألفين.
تبكي وهي تسأل عن مصير زوجها: نطالب الدولة اللبنانية بالاقتصاص من كافة العملاء الذين عذبوا الأسرى وباعوا وطنهم، وسنلجأ للقضاء الذي به نؤمن.
إضافة إلى ذلك تريد كشف مصير زوجها وتبيان مكان دفنه لاستعادة جثمانه، في واحدة من أقسى الحكايا التي مرت على الخيام، حكايا لن تغادر ذاكرة الجنوب خصوصاً ولن يطوي جراحها أي زمن أو مواد قانونية أو ألاعيب تهدف لتبرئة الفاخوري ومعاونيه وزملائه ممن باعوا وطنهم بحفنة من الاموال …

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*