الرئيسية » محليات » في كلمة يوم العاشر من محرم في الحسنين(ع) فضل الله: للإسراع في تشكيل الحكومة تجنبا للاهتزاز استقرار الوطن

في كلمة يوم العاشر من محرم في الحسنين(ع) فضل الله: للإسراع في تشكيل الحكومة تجنبا للاهتزاز استقرار الوطن

أكد سماحة العلامة السيد علي فضل الله على ضرورة إبقاء عاشوراء عنوانا للوحدة الإسلامية لأن الإمام الحسين(ع) كان داعية إصلاح ولا يمكن أن يكون داعية فرقة منوها بالشعب الفلسطيني المتمسك بقضيته رغم كل الظروف الصعبة داعيا القيادات اللبنانية إلى الإسراع في تشكيل الحكومة وأن تخرج من حساباتها الخاصة إلى حساب الوطن وأن أن تتحمل المسؤولية في خطابها السياسي بما يحول دون إحداث أي اهتزاز في استقرار البلد.
جاء ذلك في الكلمة التي القاها سماحته في مسجد الإمامين الحسنين(ع)في حارة حريك بعد تلاوة المصرع الحسيني: بوركت هذه الدموع الحارة الصادقة التي كانت وستبقى تنهمر وهي لن تنقطع.. هي ليست دموع الضعفاء، بل دموع الأقوياء الذي يلبون الحسين(ع) ويقفون بعدها في ساحات التحدي حيث هناك صراع بين الحق والباطل، بين الإصلاح والفساد وبين العدل والظلم.. هي دموع رفض لكل الذين صنعوا المأساة في التاريخ ومن يصنعوها.. هي دموع حب ولاء للحسين(ع) لأصحابه وأهل بيته، لكل هؤلاء الذين قدموا أغلى ما عندهم، لا لشيء إلا لأجل الله، لقد كان الله هو رائدهم، هو هدفهم، لأجله قدموا التضحيات وهانت الآلام والجراحات.. أرادوا أن يؤكدوا بدمائهم أنه عندما يكون الله حاضراً في العقول والقلوب وساحة الحياة يكون الحق ويكون العدل ويكون الصلاح وتكون المحبة والمواقف العزيزة ويكون الإنسان إنساناً..
فلا يمكن أن تكون مع الله وأنت تقبل بفساد أو تؤيد فاسداً أو ترضى بظلم، أو تكون ظالماً أو لا تشهر سيف الحق والعدل أو لا تنصر الداعين إليه أو أن تكون دليلاً..
لقد كان الله سبحانه وراء كل هذه التضحيات، هو وراء ما قاله الحسين(ع): إنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله..”..
هو وراء كل الغيرة على الحق وعلى مصالح الناس عندما قال: “ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه.. وأن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان وتولّوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله..”..
وكان الله هو السر في العزيمة والإرادة عندما قال: “وَاللَهِ لاَ أُعْطِيكُمْ بِيَدِي‌ إعْطَاءَ الذَّلِيلِ؛ وَلاَ أُقِرُّ لَكُمْ إقْرَارَ الْعَبِيدِ.. أَلاَ وَإنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ : بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ؛ وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ! يَأْبَي‌ اللَهُ ذَلِكَ لَنَا وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ، مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللِئَـامِ عَلَي‌ مَصَـارِعِ الْكِرَامِ”..
لذلك عاشوراء ليست تاريخاً، هي تمتد حيث هو الله وحيث هي رسالاته.. فنحن نرى الحسين(ع) في كل الرسل وفي كل الرسالات السماوية، هو ليس حركة منفصلة عن هذا التاريخ..
ولذلك نقول عنه في زيارة وارث، السلام عليك يا وارث آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وعلي والحسن.. وهذا الخط عبر عنه في كربلاء وكان حاضرا فيمن كان بعده من الأئمة(ع) وستتوج هذه المسيرة بالعدل الذي سيتحقق على يد مهدي هذه الأمة(عج)..
لذلك نقولها أن الحسين(ع) ليس حالة خاصة، هو جزء من مسار انتهجه الأنبياء والرسل وسيبقى إلى يرث الله الأرض ومن عليها..
وها نحن اليوم نجتمع مع كل المحبين للحسين(ع) ومحبو الحسين(ع) هم كل المسلمين وكل حاملي راية العدل والحرية والشموخ دائماً.. ونتمنى أن يكون اجتماعنا شاملاً على مستوى المسلمين، لأن الحسين بكله هو عنوان للمسلمين جميعاً.. وكل الأديان لأن رسالاتهم لكل الإنسانية، والتي يمثل الحسين تعبيراً عنها.
إننا نجتمع لا لنكتفي بأن نذرف دموع المحبة والولاء وصدق الانتماء لأهل بيت رسول الله(ص) فحسب، بل لنعاهد الله الذي عاهده الحسين(ع) ومن معه.. فصدقوا مع الله عهده: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}..
سنعاهد الله على أن ننحاز لمنطق الحسين(ع)، أن لا نبايع فاجراً أو قاتلاً أو فاسداً أو ظالماً، لا باليد ولا بالكلمة أو الموقف حتى لو كان وراءه الدنيا وكل ما فيها.. وأن نكون دعاة إصلاح، نصلح ما فسد من واقعنا وما أكثر ما فسد مما يحتاج إلى إصلاح.. إلى بناء أن نصلح بيوتنا، علاقاتنا الأسرية والاجتماعية، أن نصلح واقعنا السياسي والاقتصادي والأمني.. أن نكون الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر الذين لا يسكتون على باطل أو منكر.. وأن نقف في وجه من يحللون الحرام ويحرمون الحلال ويُحرفون الدين أو يغالون فيه.. أن لا نجامل الذين يتلاعبون بأموال الناس وبمقدراتهم ومصائرهم ومستقبلهم حتى لو كانوا أقرب الناس إلينا، ولن نقبل أبداً أن نكون عبيداً لأحد نقر له ونقبل بما يملي علينا..
وسنكون الأوفياء لمن كانوا الأوفياء لدينهم وقيمهم ومبادئهم ولكل الذين بذلوا أنفسهم في كربلاء، لن نسمح أن تشوه صورتهم تحت عنوان التعصب لهم أو الحب، سنقدمهم كما هم كانوا بصورتهم المشرقة والعزيزة..
إننا نريد أن يبقى الحسين(ع) كما في نفوسنا في كل العالم، عنواناً للعزة والكرامة والإباء، لن نقدمه بصورة الضعيف المكسور، المهزوم، المنحني الظهر والذي يبكي في أرض المعركة وهو العارف بأن جهاده سيوصله إلى حيث وصل..
سيبقى الحسين هو الذي يقول: “لا أرَى الْمَوتَ إلاّ سَعادَةً، والحَياةَ مَعَ الظَّالِمينَ إلاّ بَرَماً”..
سأمضي وما بالموت عار على الفتى **** إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما
أقدم نفسي لا أريد بقاءها *** لنلقى خميساً في الهياج عرمرما
فإن مت لم أندم وان عشت لم ألم *** كفى بك عاراً أن تذل وترغما
هذا لا يعني أن الحسين لم يكن يملك عاطفة، كان يملك أعلى درجات العاطفة، لكننا منه نتعلم أن العاطفة تتجمد عندما تكون الرسالة في خطر وعندما يكون الموقف موقف عز للتاريخ..
سنحرص على أن نقدم زينب بكل عنفوانها الذي عبرت عنه في أرض المعركة وبعدها، فهي لم تخمش وجهاً ولم تشق جيباً ولم تضرب رأسها بالمحمل كما يصورها البعض.. وحاشا وهي زينب أن تخرج عن إرادة الحسين(ع) عندما قال لها: “أُخية: لا تشقّي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور.. ولا تشتمي بي الأعداء”..
سنراها كما عبرت بعد كربلاء، عندما مشيت مشية أبيها علي(ع) وشمخت بشموخه أمام القوم، لتقول: “اللهم تقبل منا هذا القربان”.
ولتسقط عنفوان يزيد وتزيل من على وجهه نشوة النصر قالت له: “كد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا”..
سنبقى نرى في كربلاء شموخ علي الأكبر عندما يقول: “أولسنا على الحق، إذن لا نبالي أن نموت محقين”..
ونسمع العباس رغم ما حصل عندما قطعت يمينه ويساره وهو يقول:
والله إن قَطعتُمُ يمينــــي *** إنّي أُحامِي أَبَداً عن دِيني
وسنبقى نرى في شيوخ وشباب وفتيان كربلاء ما قالوه: الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك، وشرّفنا بالقتل معك، وإننا لا نرضى إلا أن نكون معك في درجتك يا بن رسول الله.
سنبقى نرى عاشوراء عنواناً للوحدة الإسلامية.. فالحسين(ع) داعية إصلاح ولا يمكن أن يكون داعية فرقة.. وهو لم يفرق، بقي يحاور حتى الرمق الأخير لعله يوحد الصفوف.. وكانت المشكلة في الآخرين الذين لم يحملوا قيماً بل مصالح عنوانها اشهدوا لي عند الأمير..
وهو في شخصيته كان عنواناً للوحدة، لأن كل المسلمين يتفقون على ما قاله رسول الله(ص): “حسين مني وأنا من حسين”.. وهو في كل كلماته ومواقفه لم يطلق شعاراً مذهبياً.. وقد كان أول بيان لانطلاقته: “مَن رأى منكُم سُلطاناً جائِراً مُستحلاً لحرم الله، ناكثاً بعَهدِه، مُخالِفاً لسنّةِ رسولِ الله، يَعملُ في عبادِه بالإثمِ والعدوانِ، فلم يغِرْ عليهِ بقولٍ ولا بفعلٍ، كان حَقّاً على الله أن يُدخِله مَدخلَه..”
وسنبقى نعمل على أن نقدم الحسين(ع) بالصورة التي تجعل الحسين(ع) يصل إلى كل أرض وتنعم به الإنسانية كلها.. لن نقدمه بضرب الرؤوس ولا بالسياط ولا بالمشي على الجمر ولا بكل الممارسات التي لا تمت إلى الحسين(ع).. ولو كانت لكان أولى بها الأئمة من بعده.. ومن اتبعهم بإحسان.. ونحن مع إيماننا بأن البعض يعبر من خلالها عن حبه للحسين(ع).. ولكننا نراه أخطأ الطريق إلى الحسين(ع) بل ابتعد عنه.. لقد حدد الحسين(ع) الطريق للتعبير عن حبه، فطريق الحسين هو حدده في كل موقع للحق وللعدل..
لقد أدى الذين كانوا في كربلاء دورهم، فكانوا أوفياء للحسين(ع) وأخلصوا له، وكانوا أوفياء لرسول الله(ص) ولله سبحانه.. ويبقى ونحن في هذه المرحلة-أن نؤكد إلى أننا نكون أوفياء لهم فقط حين تنتمي إلى قضاياهم..
لا بد أن نقف مع قضية فلسطين، أن لا نسمح أن تنسى هذه القضية، لأنها تمثل شرفنا وعزتنا وهي إن سقطت فسوف تسقط كل قضايانا..
أن نكون الواعين للخطط الذي تهدف إلى إسقاط هذه القضية، وخلق اليأس في النفوس من حملها والعمل لأجلها والقبول بالاستسلام، أن نواجه الاستكبار الذي لا يتوقف عن إشغال الدول والشعوب العربية والإسلامية بمشاكلها الخاصة، وتوفير كل مناخات وظروف إشعال الخلافات وتأجيج الصراعات المذهبية والطائفية، فيما بينها وتعميق أحقادها، ولا يتوقف عن دعم العدو الصهيوني وتغطيته في حربه الشرسة على الشعب الفلسطيني.
إننا سنبقى نشد على أيدي الشعب الفلسطيني ونثمن تمسكه بقضيته رغم كل الظروف الصعبة، ونؤكد له أنه لن يبقى وحيداً، ما دام على خط الرفض والمقاومة، والذي نريده أن يتعزز في كل ساحات الصراع مع العدو الصهيوني.. ونقف مع الشعب الإيراني في رفضنا لسياسة التجويع التي تُمارس عليه لإسقاطه ودفعه إلى التنازل عن حمل القضية الفلسطينية وفي نصرة الشعوب المستضعفة.
ونقف مع سوريا في مواجهة الاعتداءات الصهيونية التي تتواصل ضدها والتي تهدف وبكل وضوح إلى إضعافها وإنهاكها لإبقاء الاستنزاف في هذا البلد.. وإشغاله عن لعب دوره في مواجهة التحديات..
ونقف مع شعب اليمن في مواجهته للعدوان الذي يطاول بشره وحجره، ولندعو إلى إيقاف هذا المسلسل الذي إن استمر فسيشكل كارثة للأمة وكارثة للإنسانية..
ونعود إلى لبنان، لنؤكد وفي عاشوراء على ضرورة التمسك بصناعة مواقع القوة فيه وعدم التنازل عن أي قوة يمتلكها وهي التي جسدها تلاحم الجيش والمقاومة في مواجهة أطماع العدو الصهيوني وعدوانه والإرهاب التكفيري..
وإننا في الوقت نفسه، ندعو كل القيادات السياسية الرسمية وغير الرسمية أن تتحمل المسؤولية في الخطاب السياسي بما يحول دون إحداث أي اهتزاز في استقرار البلد.. والتي نخشى القول أنها بدأت تطل برأسها من أكثر من باب، ولا بد من إغلاقها جميعاً وهي مسؤولية تقع على كل صاحب منبر وموجه وداعية..
إننا نجدد دعوتنا لكل القوى السياسية أن تسارع في تشكيل الحكومة بأن تخرج من حساباتها الخاصة إلى حساب الوطن.. والوصول إلى خيار لا بديل عنه هو خيار التوافق..
وأخيراً ندعو مجدداً إلى طي ملف السجال المتواصل حول الأحجام والصلاحيات والذي سئم اللبنانيون من سماعه، والذين لا يرون مبرراً له لتعطيل الدولة وعدم تشكيل الحكومة، بعد أن بعد بات واضحاً مدى الترهل الذي وصلت إليه الأوضاع على مستوى استمرار الفساد وتعطيل أبسط الخدمات وتفاقم التأزم على المستوى الاقتصادي والمالي..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*