الرئيسية » أخبار عاجلة » خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله‎

خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله‎

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نستهدي في أجواء ذكرى عاشوراء بالموقف الّذي عبّر عنه الحرّ بن يزيد الرياحيّ، والحرّ، كما تعرفون، كان من أبرز قادة جيش عمر بن سعد، وقد تولّى محاصرة الحسين (ع) ومن معه من أصحابه وأهل بيته عندما وصل إلى كربلاء، ليمنعه من العودة إلى المدينة والدخول إلى الكوفة. هذا الرجل وقف يوم العاشر من محرم أمام خيار صعب؛ بين أن يلتحق بصف الحسين (ع)، ومن وراء ذلك أن يقتل، إذ لا أمل بنصر عسكري لجيش الحسين (ع) بهذا العدد.. ولكن من وراء ذلك رضوان من الله ونعيم، أو أن يبقى مع عمر بن سعد، ومعنى ذلك أن تكون له الدنيا والمناصب والمواقع، ولكن بعد ذلك النار، وما أدراك ما النار! كان الموقف صعباً والقرار فيه خطيراً. لذا، عندما رآه أحد رجاله وهو يرتعد، ظنَّ أنه يرتعد خوفاً، وقال له:أنت ترتعد، ولو قيل لنا من أشجع أهل الكوفة ما عدوناك! قال: أنا لا أرتعد خوفاً، ولكني أخيّر نفسي بين مع من أكون وأخيراً، أخذ خياره، ثم لكز فرسه، وهو يقول: فوالله، لا أختار على الجنة شيئاً، ولو قطعت أو أحرقتوانطلق إلى الحسين (ع) مطأطئ الرأس لله أمامه، وهو يقول: يا أبا عبد الله، بعدما فعلت ما فعلت، هل لي من توبة! فقال له الإمام: إن تبت يتب الله عليك، وطلب أن يكون أول شهيد بين يديه، فقاتل حتى استشهد. ويومها، أعطاه الحسين (ع) وساماً، ويا له من وسام، عندما قال له:  وكل ما فيها، كنت خيراً في قرارك، فهنيئاً لك هذا الخيار هو خيار الواعين، هو الخيار الَّذي نقف أمامه كلّ يوم. ففي كلّ يوم، نقف بين طريق يوصلنا إلى الجنة، وطريق يوصلنا إلى النار، بين أن نختار شهواتنا وغرائزنا وعصبياتنا وأطماعنا، وأن نكون مع ديننا وقيمنا ومع عزتنا وحريتنا.. فليكن قرارنا قرار الحر، أن لا نختار على طريق الجنة شيئاً، وكل شيء لأجلها يهون.. ومتى وعينا هذا الطريق، فإننا سنكون أحراراً وأقوى على مواجهة التحديات. والبداية من لبنان، الذي استطاع في الأيام الماضية أن يردّ على عدوان العدوّ، وأن يعيد قواعد الاشتباك إلى حالها، بعد أن حاول العدوّ تغييرها وفرض إرادته باستباحة لبنان متى يريد. لقد أظهرت المقاومة حكمةً بالغةً في إدارة الصّراع مع العدو، فهي في الوقت الَّذي حرصت على الردّ على هذا العدو وإظهاره بمظهر العاجز وغير القادر على منع هذا الاعتداء أو الردّ عليه، كانت حريصة كلّ الحرص على أمن المواطنين واستقرارهم في قراهم.

ولا شكَّ في أنَّ ما حصل سيجعل العدو الصهيوني يفكر كثيراً قبل أن يقدم على أية مغامرة جديدة، كما أنه رفع من معنويات اللبنانيين، ومنحهم ثقة إضافية بالقدرة على تحرير ما تبقى من أرضهم، وبإمكانية انتزاع حقّ لبنان كاملاً بثروته النفطية والغازية في البحر، وأكد وحدة الموقف اللبناني في مواجهة هذا العدوّ، لكن ما حدث لا ينبغي أبداً أن يجعلنا ننام على حرير هذا الإنجاز، لأنّ العدوّ الّذي تعرَّض لجراح قاسية في كبريائه، وأرغم على القبول بمعادلات تلجم عدوانه، لن يتورع عن انتهاز أية فرصة لاستعادة الاعتبار والهيبة المفقودة منذ العام 2006، ما يتطلَّب إبقاء الحذر والجهوزية لمواجهته، ولا سيما بعد التصريحات التي صدرت عن رئيس وزراء هذا العدو، والاتهامات التي صدرت بحق المقاومة.
وبموازاة ما جرى، يبرز خطر الوضع الاقتصادي الَّذي يهدد لقمة عيش اللبنانيين وحريتهم، وحتى أمنهم وسيادتهم، والذي استدعى الاجتماع الذي حصل في بعبدا، وجمع القوى السياسية، لتدارس كيفية الخروج من هذا الواقع، بعدما منحت الدولة فرصة ستة أشهر لتصويب مسار هذا الوضع، تجنباً لانهيار قادم لا محالة. إنّنا نأمل أن يثمر لقاء بعبدا الاقتصادي القيام بكلّ الإجراءات التي تمنع البلد من الدخول في عين العاصفة، وفي النفق المظلم الذي قد يدخل البنود الإصلاحية الأساسية في مقبرة اللجان المقترحة للمعالجة، أو تحت وطأة المناكفات والصّراعات السّياسيّة التي لا تزال تشهدها الساحة، وإن كان الكثيرون يأخذون عليها عدم تحديدها للآليات العملية لمكافحة منظومات الفساد والهدر، أو الحديث عن كيفية تطبيق التوصية المختصّة باستعادة أموال الدولة المنهوبة ومحاكمة الفاسدين.
إنَّ اللبنانيين في أغلبهم يريدون ألا يستسهل المسؤولون فرض المزيد من الأعباء عليهم، بعد أن فاقت طاقتهم على الاحتمال، ويريدون من الدولة أن تُحمّل كلّ الّذين جمعوا الرساميل الكبرى على حساب الأوضاع المعيشية للناس مسؤولية المعالجة. في هذا الوقت، تبرز قضية العقوبات الاقتصادية التي تهدد القطاع المصرفي، والتي تصيب قطاعاً حيوياً من الاقتصاد اللبناني، وتهدد قدرات اللبنانيين ومصالحهم، والتي تستدعي تدخّل الدولة اللبنانية، ولا سيما المصرف المركزي، الذي كان يتطلّع إليه اللبنانيون، لأنّه الضامن لحسن سير أداء هذه المصارف وللأموال المودعة فيها.. وندعوها إلى تحمل مسؤوليتها الكاملة تجاه مواطنيها، وإلى العمل على الإسراع لعلاج كل النتائج التي ترتبت على إغلاق أحد المصارف، والوفاء لما وعدت به المودعين، ووقاية اللبنانيين من أي خطر قد يتهدد أموالهم. إن الدولة اللبنانية لا يمكن أن تتخلى عن مسؤوليتها في أداء دورها تجاه مواطنيها وحفظ حقوقهم. وفي فلسطين، نتوقّف عند فصل جديد من فصول العدوان الصهيوني على المقدسات الدينية فيها، بعد اقتحام رئيس حكومة الكيان الصهيوني نتنياهو الحرم الإبراهيمي الذي هو تحت السيادة الفلسطينية في مدينة الخليل، في محاولة لتكريس بسط سيادة الاحتلال على هذا الحرم كاملاً، والذي يضم مقام النبي إبراهيم وزوجته سارة، ولتكريس تثبيت حق
المستوطنين في المدينة.
إننا نرى أنّ هذا الاقتحام هو تعدٍّ صارخ على مشاعر كل العرب والمسلمين، لما يمثله من رمز ديني، ونحن على ثقة بقدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة هذا التحدي المتواصل، ونريد من السلطة الفلسطينية وكل الدول العربية والإسلامية أن تقف الموقف الصلب في مواجهة هذه الانتهاكات الصهيونية المتمادية للمقدسات، سواء في الخليل أو
القدس، واتخاذ الإجراءات الرادعة والحاسمة. وأخيراً، تطلّ علينا بعد أيام ذكرى العاشر من محرم، التي نستعيد فيها معاني العزة والبطولة التي عبّر عنها الحسين (ع) وأصحابه وأهل بيته في مواجهة الظلم والفساد والاستهتار بمصالح الناس وبمقدراتهم. إننا نريد لهذه المناسبة أن تكون مناسبة يجتمع حولها حاملو قضايا العزة والحرية والعدالة من أي دين كانوا، وإلى أي مذهب انتموا، ليكون صرخة مدوية في مواجهة الظالمين والطغاة والمستأثرين بمصالح الشعوب. إنَّ جمهور عاشوراء معني بأن يقدم هذه الرسالة الإنسانية الوحدوية، وأن يبعد عاشوراء بكل تعبيراتها عن كل ما يسيء إلى صورتها النقية الأصيلة، سواء في الفكر أو الأسلوب، لتبلغ بأهدافها إلى أبعد مدى ممكن.

dcvf

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*