الرئيسية » أخبار عاجلة » قراءة هادئة على هامش ضجيج إنتخابات بعلبك الهرمل (سليمة الحاج دياب)

قراءة هادئة على هامش ضجيج إنتخابات بعلبك الهرمل (سليمة الحاج دياب)

كتبت سليمة الحاج دياب
أيار ٢٠١٨

لم يكد غبار المعركة الإنتخابية ينجلي عن الأجواء اللبنانية، حتى بدأ الرسم البياني للخارطة السياسية الجديدة يُصبح أكثر وضوحًا، أحجامًا تقلصت وأخرى كبرت، هدأت الأصوات وارتاحت العنتريات، كل شيءٍ تحرّك إلا ثابت واحد، هو نفسه الرابح الوحيد دائمًا.

يدخل لبنان مرحلة جديدة من تاريخه السياسي، مرحلة انتظرها الكثيرون، ولم يتوقع نتائجها الكثيرون، مرحلة قلبت موازين القوة التي قامت منذ الـ2005، وتختلف عن مرحلة ما قبل الـ2005، إنها مرحلة النسبية، ليس في تحديد الاحجام الحقيقية للقوى على الميدان السياسي فحسب، بل وتفقيطها بالأرقام.

لا يحتاج المراقب إلى كثير من الدراسات، يكفي أن يتابع تصريحات بعض رؤساء الأحزاب والتيارات اللبنانية، أو الزيارات التي قام بها بعض القائمين بأعمال سفاراتهم في لبنان، ليستنتج أن دائرة بعلبك الهرمل موضوعة تحت المنظار الإقليمي وربما الدولي، إنها بيئة المقاومة، حزب الله بإمكانياته المادية واللوجستية قادر على أن لا يوفّر جهدًا، بينما مجهر العين يبقى على حركة أمل بإمكاناتها المادية المتواضعة.

بهدوءٍ ملحوظ أدارت حركة أمل في بعلبك ماكيناتها الإنتخابية منذ تشريني العام الماضي، وخلال ثلاثة أشهر استطاعت أن تنجز كامل تحضيراتها ودراساتها التقنية لتُعلن إنطلاق فعالياتها بقوة بين الناس منذ شهر آذار الماضي، وقد ظهرت رسالتها واضحة خلال الحشد الجماهيري الكبير لكل عناصرها وعناصر ماكينتها الإنتخابية في احتفال القسم الذي أقامته في ساحة القسم في بعلبك، وسألنا آنذاك إن كانت حركة أمل قد حسمت باكرًا نتائج الإنتخابات في بعلبك الهرمل.

المحازبون ملتزمون، الخصوم معروفون، إذهبوا إلى المستقلين، إقرعوا الأبواب بيتًا بيتًا، تواصلوا مع الجميع، لا حساب للخسارة، الهدف هو الحاصل الإنتخابي لمنع أي خرق مدوّي للائحة يمكن أن يُستثمر، تحركت الماكنة الإنتخابية بآلاف من الشباب المتحمس، ظهور قوي في جولات أعضاء اللائحة على البلدات، تنسيق واضح مع باقي الأحزاب وخصوصًا حزب الله، قرار الحركة واضح “ممنوع لأي خرق أن يتجاوز الحدود المتوقعة وإن اضطرينا إلى إعطاء عدد من أصواتنا إلى باقي مرشحي لائحة الأمل والوفاء”.

ربما كان يعتقد البعض أن قدرة حركة أمل التجييرية لن تتجاوز العشرة آلاف صوت لمرشحها، وربما راهن الخصوم على سقوط مرشحها ليخرقوا اللائحة بمقعد شيعي، أو ربما بنى هذا البعض رهانه على فكرة شخصانية العمل داخل جسمها التنظيمي الذي سيُضعف عمل ماكينتها لصالحه، واستبشر هذا البعض أيضًا الفرصة بعد إعلان الحركة والحزب أن لا تقاسم للأصوات فيما بينهما، بل أن فرصة الوزير غازي زعيتر بالنجاح ستكون مبنية فقط على أصوات التنظيم وجماهيره.

بعد يومٍ طويل وشاق وصل إلى حدود استلقاء عدد من شباب الماكينات الإنتخابية على إحدى الأرصفة، كما شاهدت في الصور التي أرسلها لي أحد الأصدقاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي جاءت النتائج، أمل تؤمّن لمرشحها ما يفوق الحاصل الإنتخابي المطلوب وتساهم في دفع فائض الأصوات لديها إلى باقي أعضاء اللائحة بتناغم قلّ نظيره مع حليفها حزب الله ليصلا إلى انتصارٍ كبير حصر الخرق بالعدد المتوقع للمقاعد، بعيدًا عن التنافس في تحديد القوة العددية بينهما عكس ما تروّج بعض الأقلام والإحصاءات حاليًا.

في العام ١٩٩٢، عندما كانت تمتلك قدرات مادية وبشرية ضخمة (متفرغون، جيش نظامي، أموال طائلة…)، خاضت حركة أمل آخر معركة إنتخابية قوية لها بوجه حزب الله، ولم يحالفها الحظ فيها مع مرشحها نفسه للعام ٢٠١٨ الاستاذ غازي زعيتر، لتمتلك من بعدها مرشحًا ناجحًا دائمًا على لائحة مشتركة مع الحزب.
ومنذ ذلك الوقت، وقدرات الحزب تتضاعف مقابل قدرات الحركة المتواضعة المبنية على بعض التبرعات المادية وقليل من الخدمات الوظيفية في بحر الحرمان الذي يغرق به البقاع تاريخيًا، وجاءت إنتخابات الـ2018 بنتائجها المعروفة، لتقول أن تنظيم أمل أضحى رقمًا صعبًا، وأن عدد الأصوات التفضيلية التي استحوذ عليه مرشحها، رغم كل ضعف الإمكانات، شكل عنوان قوة لا يمكن لأحد تخطيه في لعبة التحالفات، وربما في لعبة تحديد عدد النواب في المستقبل.

يكفي أن نستمع ونحلل الكلام الذي خاطب به الرئيس نبيه بري الوفد البقاعي الذي زاره مهنئًا في المصيلح، لنستنتج أن حركة أمل ربحت الرهان، وأعلنت انتصارها على نفسها قبل خصومها، فكان إنتصارها مع حلفائها في المعركة الانتخابية إنتصاران، الأول إنتصار على الخصوم، والثاني إنتصار على الذات، الذات التي وسمها الكثيرون زيفًا بصفة الشخصانية والوظيفية، لتعلن أنها تغيّرت واكتسبت ثقة القيادة والحركيين.

تتجسد أهمية الانتخابات في دائرة بعلبك الهرمل بأنها تُعتبر مرآة المزاج الشعبي لحزب الله أمام المجتمع الدولي، والتحالف القائم بين الثنائي حركة أمل وحزب الله يتجاوز بأفقه حدود المقاعد النيابية إلى المصلحة الوطنية وحماية المقاومة التي دفعا من أجلها آلاف الشهداء والجرحى، فكان الجواب في صبيحة السابع من أيار بأن شعب المقاومة مؤمنٌ بخياراته.
كان “كيرمت روزفلت” رجل وكالة الاستخبارات الأميركية يقول دائمًا بانه على الادارة التي تريد قلب الطاولة على أعدائها في بلد ما أن تتأكد بأن الشعب والجيش يريد الشيء نفسه، ودون العودة إلى توصيف المراحل السابقة للتاريخ اللبناني الحديث، يكفي أن نقرأ سريعًا نتائج الإنتخابات الحالية لنستنتج أن كل أسلحة التأجيج الطائفي والشد العصبي المذهبي التي استعملت طويلاً في العمل السياسي اللبناني إضافة الى كل تهديدات العدو الإسرائيلي قدسقطت جميعها، والمنتصر الدائم في لبنان هو خطاب الوحدة الوطنية الذي يحفظ لبنان بالمقاومة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*